www.Gilamesh.21

طارق هاشم يرتدي حلة كلكامش ويبحث عن عشبة الخلود في كوبنهاجن

.محيي المسعودي

يثير الفيلم الوثائقي الجديد للمخرج الدنماركي من اصول عراقية طارق هاشم تساؤلات جدلية تجمع بين التاريخي والمعاصر على جغرافية واحدة كانت دائما مركز الصراع ما بين السماوي والارضي مرة وبين الارضي المختلف مع بعضه مرة اخرى هذه الحال التي رسخت الاعتقاد وهما او حقيقة بان الحزن والالم هي ثيمة او صفة عراقية خالصة لا يكاد الشك ان يرقى لها ,واذا تجاوزنا اسم الفيلم بدلالاته المعاصرة والتاريخية التي تشير الى انه موقع الكتروني من حيث بناء الشكل والى انه تاريخي يتحدث عن كلكامش من حيث دلالة اللفظ ومضمونه اذا تجاوزنا كل هذا سوف نجد الفيلم مبنيا من حيث الشكل العالم على متقابلات متضادة احيانا في الزمان والمكان وحتى في الانجاه ولكنها جميعا تشترك في موضوع واحد او مواضيع متماثلة ومتكاملة و يمكن اسقاط بعضها على البعض يتمظهر لنا شكل الفكرة العام للفيلم بصراع كلكامش وصديقة اتكيدو من جهة ضد السماوي من جهة اخرى وضمن مسار فلسفة الوجود والعدم , ولكنا مع فيلم طارق هاشم نلمس الاستعارة او المقاربة التاريخية عندما ينزع هاشم على نفسه سمة وحال شخصية كلكامش وعلى صديقة الفنان باسم الحجار صفة وحال انكيدو ومن هنا نبدأ بتلمس الاستعارات والمتقابلات واضحة في الفيلم .. فعلى مستوى الزمن تمت مقاربة زمن كلكامش وانكيدو قبل 16 قرنا تقريبا مع زمن طارق هاشم وباسم الحجار المعاصر وبعد ان نزع الزمن التاريخي احداثه وشخصياته على الزمن المعاصر وشخصياته وترك الانطباع القوي بكل ثقله على وعي المتلقي يتراجع هذا الزمن من حيث الحدث ليترك الاحداث المعاصرة وشخصيتها تتحرك في الواقع المرئي والمعروف داخل وخارج العراق

وهنا تظهر لنا المهنية والحرفية العالية لطارق هاشم ورؤيته الفنية الابداعية في اختزال وتكثيف الماضي والحاضر معا والسير بهما نحو هدف اراد تحقيقه وهو تسليط الضوء على جغرافية بلاد الرافدين وعلاقتها بالحدث الفاصل دائما ما بين الوجود والعدم من خلال فعل الانسان وبعض القوى الغيبية المتمثلة بالعقائد ولأن الفيلم انتج بصفته الوثائقية واتخذ من القضية العراقية الراهنة وخاصة بعد احتلال بغداد موضوعا له لذلك كان لازما على المخرج ان يستعين باحداث وشخصيات عراقية حقيقية وفاعلة على الساحة ولو بحدودها الفنية فاختيار نفسه (احدى الشخصيات) مستعرضا جانبا من سيرته الذاتية بجرأة قلما يصل اليها مبدع عربي حتى انه ذكر عمل ابيه في الصفيح- تنكجي- ومن ثم عمله عند احد الاسطوات ويحاول ذلك (الاسطة) الاعتداء عليه جنسيا وافلاته من تلك المحاولة التي ذكرها بوضوح وصدق مبددا الشكوك حول اخفائه حقيقية ما وقع له

وهذا عنصر منح العمل مصداقية كبيرة افاده فنيا لانه جاء كمقابلة ذات بعدين بين اغتصاب الفتى واغتصاب بغداد. مع نتوع واختلافات المعصب. وعن بغداد ظهر الاغتصاب في الفيلم من خلال مجموعة جنود امريكيين يرددون -بتهكم ساخر مبتذل(فك إراك) وعند العودة الى المتقبلات التي بنى عليها المخرج فيلمه هذا نجد كلكامش المحاصر بعيدا عن وطنه في مدن الثلج والصقيع لينتقل الى مقابل اخر يحتفظ بصفة الحصار ولكن هذا الحصار لم يكن بالثلج والغربة بل من خلال المضاد لهما والمتمثل بنيران الحرائق الحروب والقتل والقمع وطعنات ذوي القربى وكانت شخصية باسم الحجار-انكيدو- صديق طارق هي التي تعيش في الداخل العراقي .. واعتمد المخرج على حوار هاتين الشخصيتين في طرح الرؤى المتناقضة او المختلفة ما بين المغترب العراقي وذلك الذي بقي تحت ضغط الاحداث المرعية داخل العراق وقد كشف الحوار مفاصل الحياة في الغربة والداخل .. وعندما يستفسركلكامش من صديقة انكيدو عن الحال في الداخل يرد عليه الاخير بقوله ليس الثور السماوي هو من يطاردنا بل هي البي 52,الهمر,سيارات الشرطة,الحرس الوطني .. يطاردون السنة,الشيعة ,الكفرة .. السلفيون , ولو كان الثور فقط لقتلناه ودمرناه .. ويختم حديثه انكيدوـ باسم الحجار على سؤال كلكامش طارق هاشم فيما اذا كانت في بغداد ثمة حضارة حقا فيقول انكيدو.. هذه حقارة وليست حضارة

وعلى المستوى الفني بدأ طارق هاشم ومنذ بداية الفيلم بتقديم اصوات دالة على حال بغداد المعاصرة الحرجةومنها صوت الطائرة السمتية والعجلات العسكرية ليحيل وعي المتلقى الىمناخ يعكس حال الحرب القائمة داخل بغداد ويترك رنين الهاتف المتواصل كدليل على صعوبة التواصل ما بين الداخل والخارج كما يوظف من خلال الهاتف مفهوم الكهرباء المتقطعة ما بين الوطنية واللاوطنية

يحفل الفيلم بمشاعر وافكار متناقضة ومختلفة ومتخالفة ولكنها تتجه جميعا نحو الحال العراقية الراهنة ومعناة الانسان في تلك الجغرافية وخارجها مادام الخارج منتميا لها كما يعكس الفيلم حال التمزق الذاتي للذات العراقية الفريدة والجماعية ولكنه في جانب اخر قد يكون غير مقصود تؤشر احداث الفيلم مدى قوة ارادة العراقي في التواصل مع الحياة من خلال هويته الوطنية اولا وانتمائه الانساني ثانيا الى جانب تعلقه وايمانه الكبيرين بموروثه الحضاري .. ولا انسى ابدا قول طارق هاشم -مخرج الفيلم ذات يوم وهو متوجه الى بغداد بعد الاحتلال بايام .. عندما سألته عن انتمائه فقال لي بالحرف الواحد (انا مواطن دنماركي الجنسية انساني الانتماء) .. ولكنه عندما عاد من بغدد بعد اسابيع والتقيته مرة اخرى في نفس المكان -العاصمة الاردنية عمان- عرض علينا فيلمه (16 ساعة في بغداد) عندها قلت له ذهبت مواطنا دنماركي الجنسية انساني الانتماء ولكنك عدت بغدادي الانتماء والجنسية فاين ذهبت ما قلته من قبل ؟ لم يجبني جوابا مباشرا ولكني وجدت الجواب في فيلمه العائد به والذي اكد ان عقدين ونصف من الزمن لا تكفي بان ينسى او ينسلخ بغدادي عن بغداديته وليؤكد اليوم طارق هاشم بفيلمه الاخير هذا استحالة انسلاخ العراقي عن عراقيته مهما التهم من كعكة الحرية الغربية ومهما شرب من نخبها المترع حتى الثمالة

.
.