|
.
حينما يضحك الجمال ويبكي
.باسم
الأنصار
في عالم يخنق فيه الجمال كل يوم ، نصبح بحاجة الى مزيد من الجهد والبراعة والذكاء للحفاظ على الجمال . لان هذا الامر هو الكفيل باستمرار الحياة وديمومتها . فالقبح مستفحل في كوكبنا المهدد بالدمار والخراب الشامل كل يوم ، بل انه اصبح اكثر مطاطية وتمددا من المواد الطبيعية القابلة للتمدد التوسع ، لذا ليس امام الانسان ، وبالاخص الكائن الجمالي الذي يمتلك القدرة على خلق الجمال والحفاظ على ما خلق سابقا ، سوى اطلاق صرخاته الجمالية بوجوه القبح المتعددة ، حتى وان كانت الصرخة لاتتعدى سوى كلمات او نغمات او تشكيلات لونية وبصرية تستفز الذهن وتوقظ الاسئلة في اعماق المتلقي . وهي بوجهة نظرنا كفيلة بخلخلة السائد من الرؤى والمفاهيم وكفيلة بالتمرد على القبح المستبد اجلا ام عاجلا
من هذا المنطلق ، ارتأى الفنان المبدع طارق هاشم ، اطلاق صرخاته وضحكاته وبكائه في عمله المسرحي ( الضاحك الباكي ) بوجه الكثير من التشوهات الانسانية والاخلاقية المنتشرة الان .
والعمل من تأليف واخراج الفنان طارق هاشم ، ومن تمثيله ايضا وتمثيل مجموعة من الفنانين الاخرين وهم الفنانة البلغارية ( انطوانيتا ) والفنان ( سرمد مكي ) واثنين من الهواة وهما ( منال البصام ومخلد رعد ) .
لو قرأنا جميع مستويات العمل الفنية والفكرية والجمالية لتوصلنا الى قناعة مفادها ان طارق هاشم اراد ان يفتح نوافذ عديدة من جدران المنظومة المسرحية التي قدمها لنا ، من اجل ان يطل على اجناس فنية اخرى محايثة ومجاورة للفن المسرحي
فقاعة العرض التي قدم فيها العمل المسرحي بالاساس ، هي قاعة فنون تشكيلية ، لذا استثمر طارق هاشم هوية القاعة في عمله واعطاها جزءا من حقها وذلك حينما عرض على جدرانها عشرات الصور الفوتوغرافية التي تؤرشف حياته الشخصية وحياة الكثير من معارفه واهله واصدقائه واحبته . مما جعل المتلقي الذي يدخل القاعة للوهلة الاولى يشعر بأنه في معرض فوتغرافي وليس غير . ولكن بعد التمعن في مقتنيات المكان سيجد المتلقي بأنه في وسط طقس فني مكون من اجناس فنية متعددة . فبالاضافة الى المعرض الفوتغرافي ، فاننا نجد ثلاثة اجهزة تلفزيونية متناثرة في ارجاء المكان تعرض اعمالا فنية مختلفة للفنان طارق هاشم . فالشاشة الاولى كانت تعرض سلسلة من الافلام الوثائقية التي اخرجها صاحب العمل سابقا للعديد من الفنانين والمبدعين العراقيين ، بحيث جعلنا مخرج العمل نشعر بأن هذه الشخصيات الفنية تمثل شخوص المسرحية المقدمة لنا . اما الشاشة الثانية ، فقد كانت تعرض مشهدا بصريا من دون حوار يجمع بين طارق هاشم والفنانة ( انطوانيتا ) . والمشهد يعاد على الشاشة طوال زمن العرض المسرحي ، وهو يضم امرأة تقوم بجز شعرها تماما بماكنة حلاقة بصمت ينطق بالكثير من الاسرار المحيرة ، ويساعدها رجل بهذه المهمة بين الفينة والاخرى . اما الشاشة الثالثة ، فكانت تعرض تسجيلا لعمل مسرحي كان قد قدمه الفنان طارق هاشم في بغداد بعد ازالة الديكتاتورية المقبورة . كما احتوى المكان جهاز مسجل كان يصدر صرخات وتأوهات حزينة وغاضبة مختلفة ، تشي للمتلقي بحجم الفاجعة التي تعيشها البشرية الان
ففي وسط هذه الاجواء قدم الفنان طارق هاشم رؤاه وتصوراته عن العالم . وفي الغالب كانت هذه الرؤى مستفزة ومثيرة للمتلقي . فالفنان طرح نفسه للجمهور على انه نبي . ولكنه استدرك وقال بأنه ليس كالانبياء الاخرين الذين يحترمهم . وهذا التقديم الشفهي ، جعلنا نفكر بقصدية الفنان من هذا الحوار المستفز . فطارق هاشم لم يقصد هنا بأنه نبي بالمعنى الديني المتعارف عليه ، وانما الذي قصده هو انه ملوث بداء الجمال كالكثير من الذين تلوثوا به . انه الرائي ( بالمفهوم الرمبوي ) . عاشق الحياة . ومجنون الجمال .
اذن ، فبطل العمل ، اراد ان يتلاعب بالمفردات اللغوية منذ البداية لغرض خلق السؤال باعماق المتلقي ، مثلما تلاعب بمكان العرض . فالعمل عبارة عن لعبة ذكية ، ارادت ان تكسر الكثير من المفاهيم والمسميات المتعارف عليها . ابتداءا من مكان العرض وانتهاء بالكلمات
المبدع ليس نبيا بالمفهوم النبوءي ، وليس صاحب رسالة بالمفهوم الرسالي التقليدي ، وان اعتقد المبدع نفسه هكذا فأنه سيسقط في فخ االتروليتاريا ، وهو ابعد مايكون عن ذلك . فالمبدع الحقيقي هو الرائي والكائن الجمالي الذي يرى الاشياء بشكل مختلف . وهو الذي يخلق الجمال من دون غرض مباشر ومن دون هدف يتضمن السعي الى تغيير العالم . وهو الذي يخلق الجمال لانه ابتلى به وليس لشئ اخر . والمبدع الحقيقي هو الذي يتعامل بجمالية اخاذة مع الاشياء لكي يحقق الكثير من الغايات التي لاتقال بالضرورة عبر العمل الابداعي . ولكن الطامة الكبرى هو حينما يقابل هذا الكائن الجمالي على الرغم من كل منجزه الخلاق بالصدود والنكران من قبل العالم . او حينما تقابل صرخاته الجمالية باللامبالاة وعدم الاهتمام من قبل الاخر ، فيشعر هذا الكائن المميز بالهزيمة والخسارة والانكسار في زمن لسنا فيه بحاجة الى مزيد من الخسارات والهزائم . هذه ثيمة العمل الاساسية التي اراد منجز العمل ابرازها للمتلقي . على الرغم من تلاعبه الشكلي واللغوي الذي حير العديد من المتلقين
بطل العمل المسرحي ، استجدى الاخرين لكي يصدقون نبوته ( رسالته الجمالية بالمعنى الحقيقي ) ، وذلك لكثرة ماشعر به من اهمال واقصاء ، ودليله على هذا الاهمال هو الخراب المحيط بنا من كل جانب . واستجدى اعترافهم بما يود طرحه من اراء وافكار وتصورات ، ليس لانه مبدعا او ماشابه ذلك ، وانما لانه كائن بشري له كيانه وتاريخه وله الحق بان يعترف به الاخر كأنسان وليس كرقم في الحياة
بالاضافة الى كل ذلك ، طرح العمل تصورات جريئة اخرى عن الاله والموت والبراءة . فبعد ان قدم البطل نفسه للجمهور بأنه (نبي ) بالصيغة المخادعة ، تحتم عليه ان يطرح تصوره للاله او بالاحرى لربه الخاص به . وهذا مافعله مخرج العمل ، حينما جسد صورة الاله بشاب ضخم يجلس على منصة جانبية ، وهو يمسك طبلا بين كفيه ، يعزف عليه ايقاعات ناشزة ومزعجة ومربكة لبطل العمل كلما اراد البطل اقناع الجمهور بأنه ( نبي ) ، وكأن ثمة رغبة غريبة لدى هذا الاله تود ان لايعرض النبي رسالته ( قيمه الجمالية ) الى الناس وهو مجرد عرض لها وليست محاولة اقناع الاخر بها . ولهذا كان يتخاذل النبي ويتوسل بالاله بين فترة واخرى لكي يعطيه الفرصة لايصال مايود ايصاله للجمهور ، واحيانا كان يشعر البطل بالغضب من ربه للسبب ذاته
من جهة اخرى ، رأينا الموت وكاتم اسرار النبي يتجسد بشخصية الممثلة ( انطوانيتا ) التي جسدت دورها ببراعة . فكانت توحي بدورانها حول البطل بصمت طوال فترة العمل بظلال الشؤم والموت الذي يتربص بالانسان من كل حدب وصوب . وكانت مفرداتها النابية التي تطلقها بقسوة بين فترة واخرى بوجه البطل وهي كانت تطلق بلغات عديدة ومختلفة ، توحي احيانا بنبذ العالم للكائن الجمالي الخلاق . وهذا التشكيل المسرحي المميز كان اداة اخرى من ادوات مخرج العمل لايصال رؤاه وتصوراته عن حال العالم المتدهور المشغول بالحروب والعنف والاستغلال ، وتجسد ذلك خصوصا حينما ذرف البطل دموعه الحقيقية على قتل الاطفال بالمفخخات والتفجيرات الغبية التي باتت تمثل لغة القتلة الجديدة والوحيدة في التعامل مع مشاكلها الحياتية المختلفة . ولم يستطع الخادم الطيب والمطيع للنبي وهو الدور الذي جسده الفنان ( سرمد البدري ) بشفافية عالية ، ان يخفف من غلواء الام البطل وماسيه الكثيرة ، على الرغم من انه كان يعتني بالبطل في كل صغيرة وكبيرة . لماذا ؟ لان حاجة المبدع ورغباته كما عبرت عنه العلاقة بين البطل والخادم لاتتقولب او تتحدد بأطار الخدمة الانسانية البسيطة والمحدودة على الرغم من طيبتها وايجابيتها للكائن الجمالي . فهذا شرط انساني لابد من ان يتمتع به كل انسان وليس المبدع لوحده . وهذا الشرط جسده البطل من خلال ارتمائه باحضان امه اكثر من مرة وهي جالسة طوال زمن العرض بفسحة مكانية بارزة من فضاء العرض تقرأ كتابها المقدس بصمت ، وكأن العمل يود ان يقول لنا ان العالم بحاجة للعودة الى الطيبة والبراءة التي افتقدها بسبب كثرة حروبه ومشاكله الغبية . وكما سيبدو في نهاية العرض ان البطل انتصر لهذه الحاجة الانسانية الكبرى للخلاص من مشاكلنا المستعصية ، وذلك حينما حمل والدته ( الممثلة منال ) على ذراعيه بحنان وفير وخرج من القاعة تاركا الجمهور في حيرة وتساؤل عن كيفية العودة الى هذه الحاجة الانسانية الارقى . فالعمل لم يطرح حلولا جاهزة ومفصلة لحل الاشكاليات الانسانية ، بل هو اكتفى بطرح الاسئلة وبطرح حل عام لجذر المشكلة والذي تجسد بالعودة الى الطيبة والمحبة والبراءة . اما كيفية ايجاد الحلول بشكل تفصيلي ومنهجي وعلمي فهذه ليست من مهمة العمل الفني والادبي بشكل عام
الشئ الاخر الذي لم يفت مخرج العمل ان يطرحه ، هو ان بطل العمل لم يظهر ذاته بانها الذات الجمالية او النبية الوحيدة في هذا الزمن وفي كل الازمان . فقد قام وبشكل ذكي فاجأ به الجمهور بسحب بعض الحضور الى قاعة العرض وقدمهم على انهم انبياء وذوات جمالية اخرى تحاول ان تعلق لوحات الحب والجمال على جدران الحياة . والطريف في الامر هو ان هذه الذوات المقحمة بمهارة في العرض لم تتوان عن التفاعل مع بطل العمل لابراز رؤى المخرج الفنية ، وخصوصا الشاعر المبدع ( نصيف الناصري ) الذي كان احد الحاضرين وصار بعدها احد ابطال العمل من خلال تلقائيته وعفويته التي فرشت الابتسامة والمرح على شفاه الجمهور ، والشئ الاهم في الامر هو ان البطل طالب الشاعر بان يلقي يعضا من نصوصه الشعرية وبعضا من رؤاه عن العالم امام الجمهور ، فلبى الشاعر هذا النداء بجمالية رائعة
وهذا الامر هو الذي جعل الفنان طارق هاشم ان يتجرأ اكثر بسحب عدد اخر من الذوات النبية من بين الجمهور من امثال ( الشاعر رحمن النجار الذي قرأ احد نصوصه الشعرية والشاعر زاهر الغافري الذي رفض لقب النبوة بمفارقة جميلة لم تخدش مسار العمل والكاتب باسم الانصار الذي قرأ مقطعا من نصه الطويل ترانيم بن آدم ) وكل هذه المشاهد حصلت من دون ترتيب مسبق او من دون علم الكتاب بمشاركتهم بالمسرحية، وهو شئ اضفى نوعا من الدهشة والمفاجأة على الجميع
كما قام البطل بالاشارة على ذات جمالية اخرى غيبها الموت منذ مدة وهي ذات الفنان المسرحي ( كريم جثير ) من خلال قراءته لسطور قليلة من رسالة شخصية كان قد ارسلها الفنان الراحل الى الفنان طارق هاشم قبل سنوات طويلة . وهذا المشهد كان يرمز لكل الذوات الجمالية الراحلة ولم يعط حقها بالبروز والظهور بالشكل المطلوب حينها
باختصار كان هذا الفعل المسرحي يود اظهار رغبة المخرج بأن المنجز الفني والادبي بشكل عام يجب ان يتجاوز التغني بالذات الفردية فقط . فزمن الشعراء المتغنين بذواتهم فقط قد رحل ويجب ان يرحل لان العالم اوسع من ان يحد بمقاس ذات واحدة . فالعرض اراد ان يقول لاضير من ان يتحدث المبدع عن ذاته وافعالها الجمالية في منجزه الابداعي ، ولكن الضير بأن يتأطر انجاز المبدع في ابراز ذاته فيه فقط . فمن المهم ان يتوسع مقاس الذات على مقاس وحجم العالم ، وهذا ماحاول الفنان طارق هاشم ابرازه في عمله المميز هذا ، والذي يرأينا كان يستحق ان يظهر في ظرف مكاني وزماني افضل لكي يأخذ حقه من قبل الجمهور والنقاد .
العرض قدم في قاعة اور للفنون التشكيلية في مدينة مالمو السويدية . ويذكر ان المشرف العام على القاعة هو الفنان التشكيلي جعفر طاعون
basimalansar@hotmail.com
|