.

القبر .. وأفياء الحديقة

انموذجا لمسرح الغضب والاحتجاج ... !

فلاح المشعل

آخر عرض مسرحي للفنان طارق هاشم ممثلا ومخرجا كان بعنوان ( قصائد ممسرحة ) للشاعر الاسباني روفائيل البرتي قبل هروبة من العراق عام 1980, وبعد 23 عاما ها هو يعود ممثلا ومخرجا بمسرحي ( القبر وأفياء الحديقة ) المعدة عن قصائد بدر شاكر السياب , وهذا يعني ان طارق هاشم قد إتخذ من اسلوب المونودراما سياقا متواصلا في اعلان خطابه الفكري والجماليز ولعل سبب ذلك يعود لتشكيل شخصيته الفنية اذ تلتقي فيها قدرة الممثل مع الفكر المخرج واحساس الموسيقى والتشكيلي...كما أن سينوغرافيا العرض نتاج متصل لفكر ورؤيا الفنان طارق هاشم.

في العرض العرض الذي قدم على المسرح الوطني صباح الثلاثاء 23ـ أيلول ـ 2003, والذي أطلق عليه تسمية طقس مسرحي أدخلنا طارق هاشم في جو طقوسي مأتمي, فالعرض يجري داخل قبر ينهض فيه الميت كناية عن العراقي الذي يعيش في المنفى, والحاضرون يجلسون بذات الطريقة في مجلس الفاتحة مع استمرار صوت قراءة القرآن على مدى إمتداد زمن العرض وتتداخل معه الأصوات التي تشيع في المقبرة, ينهض الميت, الممثل ليحكي مأساته في الوجود وعالم الغربة وصيحات ادانته للحرب التي تلاحقه للقبر وقد استند الفنان طارق هاشم على قصائد الشاعر بدر شاكر السياب : وفيقة وشناشيل بنت الجلبي والأسلحة والأطفال ومقاطع من قصائد أخرى, مازجها مع حكايات درامية مختزلة بنسيج متلآلف يعتمد تصاعد الفكرة في السؤال عن ضياع الأنسان وأزماته وقلقه الداخلي وغياب الهوية وغربته الداخلية والمكانية .., ولأن العرض يشيد على الممثل الواحد فقد عمد طارق هاشم الى إحالة جسده وصوته الى منظومة إشارية حسية في مرونة اداء لم تزده سنوات العمر والغربة إلا ثراء ونضجا في حرفية الممثل المنتج أو المفكر, وفي ذات السياق التمثيلي لم يتوسل الفنان بمنهجية محددة انما إعتمد مبدأ التنويع الحسي الجمالي, فمرة يظهر بمنهجية أرسطية وأخرى يعتمد مبدأ غروتوفسكي في المسرح الفقير ومرات كثيرة يخطو باتجاه تنفيذ فكرة كسر الجدار البريشتية, هذا التداخل الأدائي, في اعتقادي نابع من قصدية الممثل في تصعيد الدلالة في خطة الحبكة الدرامية, كما انها تعطي له القدرة في تصعيد ايقاع الأداء لزمن عرض يمتد لساعة كاملة في خطوط تمثيلية كانت تشكل باندماج تام فكرة الأخراج التي وزعت مفردات شفراتها الدلالية على عدد قليل من الأكسسوارات وقطع الديكور التي تم توظيفها في صورية تكافأت مع فضاء المعنى للنص الشعري, الذي كان يستحدث مفردات الثيم التي أعاد إنتاجها بصريا في بنية تتوازن فيها ـ الى حد كبير السياقات الجمالية الأدائية ـ البصرية مع سياقات المعنى, فهنا نجد الحقيبة التي تحمل إشارة ـ التابوت ـ تتحول في سياق إشاري آخر الى عربة تجوال أو زورق رحيل أو قاطرة هروب أو مخبأ, كذلك الحال مع سقف القبر القماش الأبيض الذي جاء على شكل خيمة في العراء, يتحول الى فضاء متحرك في ذات المعنى الذي تتفجر به مفردات الأداء الجسد + النص, والمقعد الذي يتنقل بين وظيفة الأعتراف وناصية الصلب أو الموت , وكذلك اشجرة الحديدية المغلفة بالقماش الأبيض التي يهرب لها كتعبير عن أفياء الحديقة, وصور تعبيرية كثيرة تظهر لنا في فضاء العرض وهنا تتحتم الاشارة الى الاستثمار الفني الصائب لوحدات ديكور رمزية تجانست مع قوة التمثيل في تشكيل وحدات دالة في نسيج العرض .

لقد عمل طارق هاشم على تجميع أفكاره الجمالية وتوظيفها لآطلاق صيحة بحجم الكارثة التي عانى منها كل مغترب ومهاجر عراقي جراء استبداد النظام الديكتاتوري وحروبه وكوارثه ضد العراقيين سواء في الداخا أم الخارج.

من هنا جاءت أفكار العرض لتعلن عن رغبة في الأحتجاج والغضب, بصياغة جديدة لمسرح عراقي يعيش الغربة ويبتكر أسلوبا للحلم يقوم على السؤال المحتج, واقع النفي الذي عاشه الفنان أنتج نمطا تعبيريا مثل هذا .

.
.