.

عين الكلام

طارق هاشم.. الصائغ الجمالي الماهر

عواد علي

حين شاهد الروائي الراحل غائب طعمة فرمان، في دمشق عام 1985، عرض مسرحية (الأسلحة والأطفال)، الذي أعده وأخرجه ومثله الفنان العراقي المغترب طارق هاشم، عن قصيدة السياب الطويلة التي تحمل الاسم نفسه، علق قائلاً: (لو كان السياب حاضراً هذا العرض لبكى دماً). و يبدو لي أن فرمان كان محقاً في ذلك، فبعد مرور ثلاثين عاماً على صدور القصيدة تُقتل الطفولة في العراق على نحو آخر، ويشوه الطغيان براءتها، ويصادر أحلامها، في زمن يشرّع فيه العالم المتحضر قوانين متقدمة جداً لرعايتها، وصون حقوقها، ويلزم المؤسسات الاجتماعية والحكومية على تطبيقها، وينشئ لها منظمة دولية تهدف برامجها ورسالتها الى الدفاع عن حقوق الأطفال في العالم وتعزيزها وحمايتها من مآسي الجوع والمرض والتشرد والأمية والنزاعات المسلحة. ولو كان طارق هاشم قد انتظرعقداً آخر لتقديم ذلك العرض لكان أكثر تماساً مع حال الطفولة المهدورة في العراق، حيث وصلت الى أبشع صورها في زمن الحصار، وكأن السياب، الذي رأى أن"موت الصغار أسى موجع"، كان يتنبأ بأن "العصافير" و"الصبية" التي تمرح ستكون "أعمارها" ملتاعةً وقصيرةً "في يد الطاغية"، ولكن لا بأس، فطارق هاشم كان يحمل، أيضاً، نبوءة العراف الذي يقرأ الواقع، ويستشرف منه حال المستقبل، فقبل هذا العرض بخمسة أعوام كان قد تنبأ في عرضه، الذي لن تنساه الذاكرة، (تألق سعيد محاد ومصرعه) بأن الشهادة ستكون قدراً ملازماً لنا، وأننا سنقدم كثيراً من الضحايا حتى يشرق الغد الذي نحلم به. وكان هاشم يومها لا يزال في العشرين من عمره، طالباً في الصف المنتهي من صفوف معهد الفنون الجميلة ببغداد، يعتمر قبعةً غربيةً تضفي على وجهه الملتحي سمةً من التفرد بين أقرانه، وحين رأيت آخر صورة له، بعد ربع قرن على افتراقنا، وجدته يضع على عينيه نظارات طبية كلاسيكية، ويعتمر قبعةً من نوع آخر هي القبعة البغدادية التقليدية التي تعرف بـ (السدارة) أو (الفيصلية)، نسبةً الى الملك فيصل الأول الذي وضعها على رأسه، وقد شذّب هاشم لحيته كثيراً هذه المرة فبدى كأنه واحد من أفندية بغداد في الأربعينات، وأرى أن هذه الصورة علامةً، بالمعنى السيميائي، تشير الى اعتزازه بهويته العراقية، وهو المغترب عن الوطن منذ عقدين ونصف؛ وفي الغربة يميل الإنسان الى الإمساك، عادةً، بالكثير من المفردات الصغيرة والموحية التي تربطه بأرضه وثقافته ونبعه الأول، حفاظاً على روحه من الذوبان في روح العالم الذي يقطنه.

طارق هاشم، الذي توهمت سنوات طويلة أنه ضحى بموهبته الإبداعية المتميزة في معمعة المنفى والاغتراب، كان يجتهد، ويبدع، ويطور خبرته الفنية بالعمل والدراسة، وينهل من تجارب البلدان التي عاش فيها من دون ضجيج إعلامي، لذلك كانت أخباره غائبةً عني تقريباً، أنا الذي كنت أبحث عنه، وأسأل الأصدقاء الذين أتواصل معهم عن بعد عما حققه من مشاريع فنية مهمة جدير هو بتحقيقها، قناعةً مني بأنه كان واحداً من أبرز المبدعين بين جيله المسرحي قبل أن يغادر بغداد هرباً من قمع النظام السابق، فمن مِن المسرحيين العراقيين، والمتابعين للمسرح العراقي لا يتذكره مخرجاً وممثلاً مجتهداً في: (قصائد مسرحية) لرافائيل البرتي عام 1979، و(تألق سعيد محاد ومصرعه) عام 1981، وممثلاً مبدعاً في: (مارا صاد)، إخراج أياد حامد عام 1977، و(قضية الشهيد رقم 1000)، إعداد وإخراج قاسم محمد عام 1978(التي حاز فيها على جائزة أفضل ممثل واعد في يوم المسرح العالمي)، و(الأنشودة)، إخراج عوني كرومي عام 1979؟ وكان قبل ذلك ممثلا،ً وهو في سن المراهقة، في فرقة المسرح العربي عام 1974، ثم في معهد الفنون عام 1976 وما تلاه.

قبل نحو عشرة أيام فوجئت برسالة وصلتني الى بريدي الالكتروني تحمل اسم طارق هاشم يقول لي فيها " صديقي العزيز... تحيةً حارةً من القطب الشمالي البارد- الدنمارك. أتمنى لك أياماً كالورد.. أتابع وبإعجاب ما تكتب في بعض الصحف ومواقع الانترنيت في زمن الخراب هذا..مع الود". وختم الرسالة بالملاحظة الآتية: " لدي موقع على الأنترنت وهو في مرحلة التأثيث أرجو الاطلاع عليه ". وكان من الطبيعي أن أحييه بتحية مماثلة، ولكن من الجانب الغربي للقطب الشمالي البارد- كندا الغارقة حتى أذنيها في الثلج، وأعبر له عن فرحي الشديد برسالته، وتوقي الى معرفة ما أنجزه من إبداعات فنية بعد هذا الغياب الطويل. وفي اليوم الثاني جاءني، عبر الماسنجر، صوته الذي لم يتغير قط مذ افترقنا ، فإذا بي أكتشف أنني كنت متوهماً حين ظننت أنه ضحى بموهبته على مذبح المنفى القسري، وقد أسعفني موقعه على الانترنيت في معرفة ما أبدع وأنجز خلال ربع قرن.. فعلى صعيد المسرح مثل عام 1984 في مسرحية (الحصار) لعادل كاظم، وإخراج لطيف صالح، على مسرح القباني في دمشق، مع الفنانة العراقية الراحلة زينب، وحازم كمال الدين، وعادل طه سالم، ثم مثل وأخرج (الأسلحة والأطفال) التي ذكرتها، فمسرحية (ماريانا) للوركا، وإخراج جواد الأسدي، وإنتاج فرقة المسرح العمالي في دمشق عام 1985، فمسرحية (وحشة وقصص أخرى ) إعداد وإخراج روناك شوقي، عن تشيخوف، على مسرح القباني، أيضاً، في العام نفسه، فمسرحية (ثورة الموتى) لأروين شو، وإخراج سعد السامرائي، على المسرح نفسه، عام 1994، فمسرحية (ذوبان الجليد) إعداد وإخراج المخرج الكويتي سليمان البسام، عام 2003،عن مسرحية (المذبحة) للكاتب الألماني هاينر مولر، ومسرحية ( الزريبة) للكاتب الانجليزي توربين بيتس، الى جانب عدد من الممثلين الكويتيين والعراقيين والبريطانيين منهم: المرحوم كنعان حمد، ومناضل داوود، وناصر كرماني. وهي أول مسرحية، بتمويل من لجنة التآخي الكويتية العراقية، تستلهم أحداثها من تداعيات الحرب الثالثة في العراق، وسقوط النظام السابق، و تحمل رؤية مأساوية للأحداث التي يعاني منها العالم العربي، و ترمز الى السعي لإذابة الجليد الذي بات يفصل بين الشعبين الشقيقين العراقي والكويتي. وأخيراً مسرحية (القبر وأفياء الحديقة) التي أعدها عن قصائد للسياب، وهي مسرحية ممثل واحد أخرجها ومثلها وعرضها في بغداد والكويت والدنمارك والسويد وانكلترا والأردن عام 2003، أيضاً. وقد وصف عرضها بعض النقاد بأنه عرض متقن ومبهر، أبدعه نجم كبير، يفضح طغاة العالم بشكل غير مباشر. واجتذبت الشاشة طارق هاشم بعد وصوله الى أوروبا، فدرس الإخراج السينمائي والتلفزيوني، وحصل على الماجستير من المعهد العالي للفنون المسرحية والسينمائية في بلغاريا عام 1992، وشارك في دورات تلفزيونية في الدنمارك، ومثّل في أفلام تلفزيونية وسينمائية بلغارية ودنماركية. وكانت حصيلته الإبداعية في هذا المجال مجوعة أفلام منها: 1- فيلم تسجيلي طويل بعنوان (16 ساعة في بغداد) أخرجه وصوره عقب أشهر قليلة على انهيار النظام السابق في التاسع من نيسان/ أبريل، وإثر عودته الى بغداد بعد غياب دام 23 عاماً، وهو فيلم ذو مشاهد صادمة ومؤثرة تحكمه بنية سردية تصور، بحس درامي، الفاجعة التي حلت بالعراق في أثناء الاحتلال وما تلاه، كما يقول الناقد عدنان حسين أحمد، وقد حاز الفيلم على جائزة الصقر الذهبي في مهرجان الفيلم العربي الرابع في (روتردام)، وعرض في مهرجان الفيلم العربي السابع في باريس، ومهرجان جرش للأفلام الحائزة على تقدير خاص عام 2004. 2- فيلم تسجيلي بعنوان (زينب) قدم فيه جوانب محددة من التجربة الفنية للممثلة الراحلة زينب، مثل فيلمها (سعيد أفندي)، وفيلم (الحارس)، ومسرحية (النخلة والجيران)، إضافة الى وقائع تشييعها ودفنها في السويد. 3- فيلم روائي قصير بعنوان (يوم القدر)، وقد شاهدته على موقع المخرج في شبكة الانترنيت، وهو فيلم صامت يكتنفه الغموض الفني، ويقوم على لغة بصرية/ مشهدية أخّاذة في حسها الجمالي، وعمقها الإيحائي، تذكرك بلغة كبار مخرجي السينما ، ويتمحور موضوع الفيلم/ القصيدة حول إمرأة بلغارية تتمكن من أخذ رجل عربي، سبق أن اغتصبها، الى مكان بعيد عن الأنظار، وتحفر له قبراً، وتدفنه فيه حياً في يوم ممطر، بعد أن قصت شعرها، وأقسمت أن لا تطيله إلاّ إذا ثأرت لشرفها المستباح. ويذكرنا منحى الفيلم البصري، وبنيته السيميائية الغامضة، ونزوعه الى خلق الدهشة ببعض تجارب صلاح القصب في مسرح الصورة، مع وجود اختلاف واضح بينهما، ففي تجربة طارق هاشم نقع على حبكة سينمائية تتخللها فراغات على المتلقي أن يملأها، في حين تغيب الحبكة تماماً عن تجارب القصب التي نعنيها. وله أيضاً أفلام أخرى شارك بها في مهرجان ميونخ السينمائي الدولي باسم بلغاريا عام 1992، ومهرجان جوتنبرغ السينمائي في السويد عام 1996. كما عمل مساعد مخرج في فيلم (الثعلبة البرونزية) للمخرج البلغاري نيكولا روداروف عام 1991.

وأخيراً انتهى من كتابة سيناريو فيلم روائي طويل بعنوان (كم بدت السماء قريبة) عن رواية تحمل الاسم ذاته للروائية العراقية بتول الخضيري، التي شاركته في كتابته، وهما مستمران في إجراء اتصالات مع مؤسسات سينمائية عربية ودولية لإنتاج الفيلم، وحصلا حتى الآن على ردود إيجابية ومتحمسة للمشروع. كما جرت اتصالات مع بعض الممثلين العراقيين والبريطانيين للمشاركة في تمثيله. وأنا على ثقة كبيرة بأنه سيكون عملاً سينمائياًً متميزاً إذا ما توفرت له الإمكانيات الإنتاجية الجيدة.

أخيراً.. هل بحتُ بكل ما يستحقه المبدع طارق هاشم؟

يقيناً أنه يستحق أكثر من ذلك، لأن إبداعه، وإبداع غيره من العراقيين، صنّاع حضارتنا، وصائغي ضميرنا الجمالي والروحي، هو الذي يبقى، وغير ذلك الى زوال.

awadali57@hotmail.com

.
.